العبودية

About الشيخ حسين العجمي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى ::{يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}•1.
الله سبحانه وتعالى في هذه الآية المباركة من سورة البقرة يحث و يأمر الناس لعبادته عزوجل حتى يصل العبد إلى مقام القرب منه وهو مقام العبودية..

مقام العبودية لله تعالى من أهم المقامات وأسماها و أرفعها على الاطلاق، فنحن نلاحظ القران الكريم لما يتحدث عن إسراء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصفه بهذا الوصف: [ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ] 2 لذا ( ذكر بعض العلماء بأن استعمال وصف العبودية في هذا السياق القراني وحصول هذه المعجزة العظيمة للنبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) [دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ اَوْ اَدْنى دُنُوّاً وَاقْتِراباً مِنَ الْعَلِيِّ الاَْعْلى، ] 3، يقولون هذا دال على أنه صاحب مقام العبودية المطلقة لله سبحانة وتعالى) ، ونحن في كل يوم خمس مرات على الأقل نكرر: وأشهد أن محمدا عبده و رسوله ، فنقدم العبودية على الرسالة في الشهادة ، إذن فالعبودية أمر عظيم للغاية..
بعد هذه المقدمة نسلط الضوء على بعض الوقفات ..

الوقفة الاولى: حقيقة العبودية وماهيتها:

العبودية بشكل عام في اللغة: هي (إظهار التذلل) للسيد المعبود بامتثال أمره، والرضا بقضائه، والانتهاء عن نواهيه، والإندكاك في طاعته قلباً، وقالباً، فلا إرادة للعبد مع إرادة مولاه.
أما العبودية بشكل خاص في الفكر الإسلامي و في فكر اهل البيت (عليهم السلام) ماذا تعني؟! تعني: تحكيم إرادة الله تعالى التشريعية في إرادة الإنسان النفسية والعقلية بصورة اختيارية؛{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } 4… فهي تسليم، وطاعة، واتباع ،وانقياد مطلق لأمر الله تعالى ((وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)) 5 ..

سأل عنوان البصري الإمام الصادق (عليه السلام) – عن حقيقة العبودية، فقال الإمام (عليه السلام) هي ثلاثة أشياء:
أولا: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله إليه ملكا، لان العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله تعالى به؛
ثانيا: و لا يدبر العبد لنفسه تدبيرا؛
ثالثا: وجملة اشتغاله فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه، فهذا اول درجة المتقين. 6 .
إذن حقيقة العبودية أن يضع العبد نفسه موضع الذّلة لربه، ويوجه وجهه إلى مقام قدسه، ويُسْكِنُ قلبه خشيته، بل ينقطع عن نفسه وعن كل شيء آخر فلا يرى مؤثراً في الوجود إلا هو تبارك وتعالى..

الوقفة الثانية: كيف أكون عبدا مسلما مطيعا منقادا لله سبحانه وتعالى؟
الطرق كثيرة وعديدة ونحن في هذا المقام نكتفي بقاعدتين قرآنيتين مهمتين إذا التزم بها الانسان المؤمن يكون عبدا مسلما مطيعا منقادا لله عز وجل وهما :
1- قاعدة الاستشعار
2- قاعدة المعرفة.
القاعدة الأولى: في قوله عز وجل {إنَا للهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.. المؤمن إذا أراد أن يصل إلى هذا المقام فلابد أن يلتزم بمفاد هذه الآية الشريفة، فما هو مفاد هذه الاية؟
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع في يوم من الأيام رجلاً يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال روحي فداه: ياهذا إنّ قولنا :إنا لله إقرار على أنفسنا بالملك _اي مهما يملك الانسان من الأموال، ومن الخيرات، وكان صاحب حسب ونسب، و صاحب مكانة راقية … إلخ من الامور، فإنه وما يملك، والدنيا وما فيها، كل ذلك لله عزوجل_ وقولنا : إنا إليه راجعون، إقرار على أنفسنا بالهلاك _أي إقرار بالهلكة والعود الى الله تعالى في يوم القيامة، فكل شيء هالك إلّا وجه الله تعالى .. 7 .
لذلك يعلموننا ويربوننا أهل البيت عليهم السلام على هذه القواعد في أدعيتهم الشريفة، ففيما روي عن الرضا  عليه السلام: [ اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك, لا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا]8،وهذه القاعدة مفتاح لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} 9، فالآية لم تستثن أحدا وقالت : كلنا فقراء له ، بل في قمة الفقر والحاجة إليه؛ فاستشعار العبودية والعودة في عبارة (إنَا للهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) 10 البقرة 156 له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والإستقامة والصبر في نفس الانسان؛
هذه القاعدة الاولى…

القاعدة الثانية:
في قوله عز و جل:{(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيم} 11.
في هذه القاعدة مسألة سعي الإنسان في معرفة ماذا يريد سيده منه؟ من والواجبات ومن ترك المحرمات و من أمور شرعية… إلى أخره؛ لأنه ليس من المعقول أن العبد لا يبحث عن أوامر سيده.
و في هذا المقام ننقل هذه القضية:
ينقل أن أحد علماء مشهد رزقنا الله واياكم الوصول، كان يوميا قبل أن يخرج من بيته ، يفتح كتاب روايات لأهل البيت (عليهم السلام) ثم يخرج، وفي يوم من الأيام سألوه عن غاية هذا الفعل، وعن حكمة هذا الفعل؟ فكان يقول: من المفروض أني عبدٌ لأهل البيت(عليهم السلام)، و ويفترض من العبد أن يسأل سيده يوميا في يوميا أول الصباح : ماذا تريد مني؟ لذلك في كل يوم أفتح روايات أهل البيت(عليهم السلام)، لأرى ماذا يريدون منا؟ فأطبق أوامرهم..
فحري بنا أن نتدبر في آيات القرآن الشريف لكي نتعرف على مرادات المولى عزوجل، لنحقق بذلك العبودية الحقيقة له تبارك وتعالى .
والحمد لله رب العالمين..

 

1-سورة البقرة الآية 21.

2- سورة الإسراء الآية 1.

3- دعاء الندبة .

4- سورة الإنسان الآية 3.

5- سورة لقمان آية 22.

6- بحار الأنوار للمجلسي الجزء الأول الصفحة 225.

7-نهج البلاغة الجزء الرابع صفحة 22.

8- الاعتقادتت في دين الإمامية للصدوق صفحة 99-100.

9- سورة فاطر الآية 15..

10- سورة البقرة الآية 156.

11- سورة النساء الآية 27.

اترك تعليقاً

اسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني