أيهما أهم؟ النعي أو الموضوع؟

ونحن على مشارف شهر محرم الحرام _شهر المصائب والأحزان_ قد نرى ومع بداية ليالي عاشوراء ما إن ينزل الخطيب من على المنبر، يأتيه البعض ويقول: شيخنا جزاك الله خيرا، ولكن أطلت كثيراً في النعي، من فضلك أطل في المحاضرة واعطي قليلا من الوقت للنعي، فالحسين ليس للبكاء فقط!
ثم يذهب الخطيب ليغير في اليوم التالي فيطيل الحديث ويعطي قليلا من الوقت للنعي، فيأتيه البعض ويقول: شيخنا جزاك الله خيرا، ولكن أطلت كثيرا ً في الحديث! ونحن نريد أن نبكي في هذه الأيام فهي أيام الخزن والبكاء والمصاب على أهل البيت عليهم السلام.
من نرضي ؟
ذلك الذي يريد الحديث والثقافة والتعلم على حساب البكاء؟
أم هذا الذي لا يعرف من مجالس الحسين إلا البكاء والحزن فيريد النعي على حساب المحاضرة؟
وهنا نقول لا هذا ولا ذاك …
فنحن حينما نرجع إلى تراث أهل البيت عليهم السلام سنرى أنهم ربطوا الأمة بقضية عاشوراء من خلال مسلكين متوازيين كلاهما يسند الآخر وليس من السلامة أن يسلك المؤمن أحد المسلكين دون الاهتمام بالمسلك الآخر .
الأول : المسلك العاطفي .
الثاني: المسلك الفكري و العقائدي.
إن المعتقد والفكر وتحت بعض الضغوطات والظروف القاسية والهجمات الداخلية والخارجية عبر مختلف الأزمنة والأمكنة قد تتعرض للتزعزع، بل قد يُفقد ويَنتكس عند البعض، فيأتي دور ضخ المصل العاطفي ليحافظ على القضية الحسينية، فلو نظرنا إلى المجاميع المليونية في زيارة الأربعين ترى أن كل من جاء زحفاً نحو سيد الشهداء عليه السلام لا يبالي بمخاطر الطريق من قتل وغيره، ولا يعبأ بحرارة صيف أو برودة شتاء، مخلفين دورهم وأهلهم وأملاكهم، أترى أن كل هؤلاء هم أصحاب فكر ومعتقد بالمفهوم الفكري والعقائدي الذي قد نتصوره؟؟ بلا شك أن الجواب : لا! بل أن الكثير منهم قد لا يمتلك معرفة بها يدفع أضعف الإشكالات المرتبطة بالقضية الحسينية، مالذي جعله يندفع هذا الإندفاع ويرتبط هذا الإرتباط إذا؟
نعم! إنها العاطفة الجياشة والحرارة المتقدة في القلب باتجاه أبي عبدالله الحسين عليه السلام وقضيته! فنحن لا نستطيع أن نتخلى عن الجانب العاطفي في القضية الحسينية، كما أن للجانب العاطفي إنعكاسات أخرى يلعب فيها الدور البارز في خلود القضية الحسينية والحفاظ عليها بصفة عامة، فضلاًً عن ورود الكثير من الروايات، وحينما نرجع إلى سيرة المعصومين عليهم السلام نرى حجم الحث و التفاعل العاطفي الذي كانوا عليه مع القضية الحسينية ونتجنب التفصيل لعدم الإطالة على القاريء الكريم.
وكذلك نقول لأصحاب العاطفة والحزن والبكاء: أن مظاهر التفاعل العاطفي مختلفة، قد يتعرض للإنحراف والممارسات اللا أخلاقية من خلال الإندفاع العاطفي الغير متزن والغير مدروس، فنرى في بعض موارد الخدمة الحسينية سواء في المآتم أو المواكب أو اللطم وغيرها قد تقع من الأخطاء التي لا ترضي الله تعالى ولا الإمام الحسين عليه السلام، فقد نرى البعض يلعن البعض، وهذا قد يسب ذاك، وآخر قد يسقط الآخر، غير الاصطدامات التي قد تصل في بعض الموارد إلى الإشتباك باليد وإلحاق الأذى بالمؤمنين، وآخر حول العزاء إلى غناء ورقص… وغيرها، والأشد ألماً أن كل ذلك قد جعلت مخرجاته باسم الحسين عليه السلام، والحسين عليه السلام بريء من كل الممارسات الشيطانية الآنفة الذكر.
وهنا يأتي دور الفكر والمعتقد السليمين لتصحيح مسار الذين انحرفوا بالعاطفة عقائدياً وفقهياً وعقلياً وفكرياً وأدبياً، ويحافظ عليها من الميوعة والتداخلات التي من شأنها أن تحطم من القضية الحسينة بدل النهوض بها لأعلى المستويات، فتلقي الحجة وتوضح اللبس وتبين الحكم وتكشف الحقائق.
لذلك نقول أن على الخطيب الحسيني أن يخلق حالة توازن بين السلك العاطفي والفكري بما يتناسب مع الظرف المحيط بالخطيب عند الخطابة .
علينا أن نلحظ أمراً وهو: أنه على العاشق الحسيني أن يجعل من ارتباطه العاطفي بالقضية الحسينية طريقاً للإقتداء والتأسي بالإمام الحسين عليه السلام، والسير على قيمه ومبادئه وأخلاقه ومنهاجه، فالبكاء في حد ذاته مع الرقص على جراحات سيد الشهداء عليه السلام أمر غير مقبول، فهناك من أعدائه من بكى عليه، فلنتأمل! وقد أشرنا إلى هذا البيان في المقالة (كن مصلحاً تكن خادماً).
ففي كل زمان هناك شمر يقتل الحسين عليه السلام بتضييع قيمه، ومبادئه، وفساد الأخلاق، ونشر الفتن، وتهميش الدين، وظلم العباد، والركض وراء الشهوات، والمحرمات، واقتراف المعاصي والذنوب .
و في كل زمان هناك عابس ينصر الحسين عليه السلام، بتقوى الله تعالى، والسير على نهج أهل البيت عليهم السلام، والتخلق بأخلاقهم ، والحفاظ على إنجازاتهم، والسير على منهاجهم الإصلاحي المترتب على الفرد والاسرة والمجتمع والأمة.
فلنختر عزيزي القاريء أي شخصية نريد أن تتجسد فينا أنكون شمراً والعياذ بالله تعالى أم نكون عابسا بحمد الله تعالى؟؟؟
هذا ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لخدمة خدام أبي عبدالله الحسين عليه السلام والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين

اترك تعليقاً

اسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني