الألم ووجه حسنه

About الشيخ أحمد غلوم البحر

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي كَبَد } 1

جاء في تفسير هذه الآية الشريفة أن الكَبد يعني في تعب ومشقة ومصداقه  في الخارج الآلام ، فنسأل هل هذه الآلام حسنة أم قبيحة ؟
إن قلت: كُلها قبيحة ، لا يمكن لك أن تقول ان الله تعالى قد فعلها ؛ لأنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخّل بالواجب ، وإن كنت تبني على أنها [ أي الآلام ] كُلها حسنة فهذه دعوى صعبه فهو خلاف الوجدان .
الكلام في الآلم و وجهُ حسنه يقع في ثلاث  نقاط :
الأولى : حقيقة الدنيا.
* لم يخلق الله تبارك وتعالى الدنيا لراحة المؤمنين ، بل تصل إليهم الأحزان و البلايا بحسب مراتبهم و إيمانهم ، و للتحقيق هذا الأمر يكفي النظر في أحوال الأنبياء و الأوصياء و رسول الله و أهل بيته (عليهم السلام) ، فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ” ما أوذي نبيٌّ مثلَما أوذيتُ “.2

* وقد ثبت بالتجربة ، إن ما من شي أكثر إصلاحاً للنفس من البلايا والمصائب الموجبتين للزهد في الدنيا ، والتوجه نحو الله تعالى ،  كما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ” إِنَّ عَظِيمَ الْبَلاءِ يُكَافَأُ بِهِ عَظِيمُ الْجَزَاءِ فَإِذَا أَحَبَّ الله عَبْداً ابْتَلاهُ بِعَظِيمِ الْبَلاءِ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ عِنْدَ الله الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ الْبَلاءَ فَلَهُ عِنْدَ الله السَّخَطُ “3.
و سأل عبدالله بن بُكير أبا عبدالله الصادق (عليه السلام): ” أَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بِالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَأَشْبَاهِ هَذَا ؟! قَال:َ فَقَالَ: وَهَلْ كُتِبَ الْبَلاءُ إِلا عَلَى الْمُؤْمِنِ ” 4.
وقد روي قول أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث أخر: ” إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلام) أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْوَصِيُّونَ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ وَإِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ فَمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ ” 5.

الثانية : العوارض التي تصير الألم حسناً.
* بداية نعود إلى التساؤل الذي صدرنا به البحث : هل أن جميع الآلام حسنة أم أنها كُلها قبيحة ؟
فالحق فعلاً أن بعض الآلام حسنة و بعضها قبيحة، و الدليل على صحة هذا القول هو الوجدان، فلذا نحن نعاقب الذي يؤلم الآخرين الذي يعتدي على الأخرين، نعم و بما أن الألم بعضه حسن و بعضه قبيح، فإن الحسن من الله و القبيح من نفسك؛ لأن الله تعالى لا يفعل القبيح ولا يُخلُ بالواجب ، والقران يؤكد على ذلك بقوله عزوجل: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } 6.
من هنا نتساءل مرة أخرى: ما هي العوارض التي تصير الألم حسناً ؟
هناك قولان رئيسيان :
الأول: للبكرية و هم أتباع بكر بن زياد معاصر للجهم بن صفوان ، عرفهم الشهرستاني  في الملل والنحل )؛ و التناسخية: وهم فرقة يقولون بأن الثواب والجزاء يكون للعبد في الدنيا، وهذا مؤداه إلى إنكار المعاد، فلذا روى الصدوق (أعلى الله مقامه) عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: من قال بالتناسخ فهو كافر7 ، هؤلاء قالوا : الألم لا يحسُن إلا بالاستحقاق .
القول الثاني : للعدلية و المراد منهم ( الإمامية و المعتزلة )
الذين قالوا : بأن العوارض متعددة ليست مقتصرة على الاستحقاق ، فمنها اشتماله على نفع ، دفع ضرر ، جريان العادة ، المدافعة عن النفس ، بالإضافة للاستحقاق .
* وهذه العوارض يجمعها ان القبيح للألم إما بسبب الظلم او العبث ، فإذا انتفى الظلم و العبث لم يقبح الألم .
إذن : الضابطة في كون الألم حسن إذا لم يكن الألم ظلماً و لا عبثاً ، فإذا انتفى الظلم و العبث عن هذا الألم يُحكمُ بحسنه .
و عليه: من يقع عليه الألم من حدٍ أو تعزير و ما شاكل لا يوصف بأنه قبيح؛ لأنه ليس ظلماً أو عبثاً ، أو كالمطالبة بالدين فهو قد يؤذي المستدين و لكنه طُلِب بحق، وهذا هو عارض الاستحقاق الذي يصير الألم حسناً .
* و في الكافي نجد الكليني عقد بابا في ما نحن فيه أسماه: باب تعجيل عقوبة الذنب ، كمعتبرة حمران عن أبي جعفر أنه قال : ” إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يُكْرِمَ عَبْداً وَلَهُ ذَنْبٌ ابْتَلاهُ بِالسُّقْمِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَهُ ابْتَلاهُ بِالْحَاجَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ شَدَّدَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ لِيُكَافِيَهُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ قَالَ وَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يُهِينَ عَبْداً وَلَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةٌ صَحَّحَ بَدَنَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ وَسَّعَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَإِنْ هُوَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِ هَوَّنَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ لِيُكَافِيَهُ بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ ” 8.
العارض الثاني : وهو اشتماله على نفع عظيم : كما إذا كان المرض موجباً لرفع درجة في الآخره أو تكفيراً عن السيئات فلا يعاقب عليها ، وهي من مصاديق الألم الذي يعد حسناً كمشقة طلب العلم ” حيث تنادى في ملكوت السماوات والأرض عظيماً” ، أو كالسفر الدنيوي أو كالسفر للتجارة او الأخروي كالحج أيضا.
العارض  الثالث : أن يكون في الألم دفع ضرر أعظم كبتر عضو من البدن  لدفع تسمم لكل البدن.
العارض الرابع  الذي يصير الألم حسنا  هو : ان يكون الألم موضوعاً على مجاري العادات  كما اذا ألقى الظالم المظلوم في النار، فإنه عزوجل يبقي النار على احراقها، ويستطيع أن يجعلها برداً وسلاماً ، ولكن لم يفعل ذلك ؛ ليجعل الأمور تجري على مجاري العادات ، وهذا من باب جعل الاختيار للإنسان ،  فلو كان كل ما أراد الظالم أن يظلم  تدّخل الله في عدم وقوعه فلا مجال للاختيار والاختبار، لكي تستطيع أن تميز الأنبياء عن سائر الناس فإن بقاء العادات على مجاريها لا هو فيه سفه ولا ظلم ، بل لعل عدم إجرائها على مجاريها يستلزم مفسدة في عدم التأكيد على الإختيار ، فيلزم الجبر ، ويلزم ايضاً من ذلك إبطال المعاجز ، فيكون لا توجد قيمة للمعاجز في الخارج .
النقطة الثالثة : عقلانية اختبار المولى لعباده.
لا بأس أن نشير إلى التفاتة هامة في المقام:
حاصلها: أن الله يمكن ان يُألم عبداً فإن صبر يُثيبه وإن كفر يعاقبه ، كما جاءت نصوص في ذلك ، فلا تحصر وجوه حسن الآلام فيما تقدم  ، فالله قد يؤلم عبده اختباراً لا من باب الإستحقاق، ولا جلب منفعة، أو دفع ضرر، ولا شي سوى التعريض لثواب ( أو لاختبار هل يشكر أم يكفر ).
واختبار المولى لعباده أمر عقلاني وحسن ، حيث أن معنى العوض في كلماتهم هو اجر مستحق، وما يأخذه العبد غالباً تفضل من الله وليس أجراً مستحقاً.
و مما يشهد على أنه ليس كل ألم تستحق عليه عوض فالقرأن ناطق بأن الله يختبر عباده قال تعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } 9 ، وقال تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } 10.

————————

1- سورة البلد الآية 4.

2- الجامع الصغير ج2 ص144، الأربعون حديثا.

3- شرح أصول الكافي – مولي محمد صالح المازندراني – ج ٩ – الصفحة ٢٠٩.

4- بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٦٤ – الصفحة ٢٢٥، الكافي – الكليني- ج3 – الصفحة 646.

5- الكافي – الشيخ الكليني – ج ٢ – الصفحة ٢٥٩.

6- سورة النساء الآية 79.

7- عيون أخبار الرضا (ع) – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ٢١٨.

8- الكافي – الشيخ الكليني – ج ٢ – الصفحة ٤٤٤.

9- سورة العنكبوت الآية 2.

10- سورة البقرة الآية 155.

اترك تعليقاً

اسم *
البريد الإلكتروني *
الموقع الإلكتروني